Tags

, , ,


أحدثت ردة فعل الشارع الاردني على رفع الدعم عن المشتقات النفطية صدمة حقيقية لدى الأغلبية الساحقة من الشعب. فقد وصلت ردة الفعل الى حد أعمال الشغب و حرق المؤسسات العامة و الاعتداء على أفراد الدرك و إطلاق النار عليهم، و الأبرز و الأخطر من هذا كله، أننا سمعنا جملة “الشعب يريد إسقاط النظام” تدوي في شوارع عمّان. يبقى السؤال، ما الذي أوصلنا الى هذه النقطة؟

كنت قد كتبت قبل ستة اشهر مقالة اسمها “مصير الاردن المجهول”، و في آخر تلك المقالة وجهت رسالة لجلالة الملك؛ التي لم تصله طبعا، أقول فيها “أنهم يأخذون بلدنا للمجهول”، و بالفعل أخذوه. و لكن من هم هؤلاء؟

نعرف جميعا ان هنالك تيارين سياسيين في الاردن. الأول، تيار إصلاحي يطمح و يحارب سياسيا من اجل المزيد من الإصلاحات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و محاربة حقيقية للفساد. أما الثاني، تيار يحارب الإصلاح و التغيير إما لأن بعض رموز هذا التيار محافظ و حرس قديم، أو لأنهم يريدوا ان يحافظوا على مصالح شخصية أو جهوية أو عشائرية، أو لأنهم فاسدون لصوص لا يريدون ان تنكشف أعمالهم.

لم يستطع التيار الإصلاحي تحقيق إصلاحات حقيقية لا سيما في العامين الماضيين، إلا ان التيار المحارب للإصلاح المتمثل بمعظم الحكومات و بما يسمى مجلس نواب استطاع ان يعيد قانون الانتخابات المجزوء مع دوائر انتخابية محلية صغيرة باعتبار ذلك “حقوق مكتسبة” كما سماها بعض الفلاسفة النواب !!!!! و لم تتجرأ أي حكومة سابقة على إعادة هيكلة المؤسسات المستقلة و إلغاء و دمج بعضها لان ذلك سيطال الرواتب الخيالية التي يتقاضاها البعض، و هذا البعض هو جزء أصيل من التيار المحارب للإصلاح. كما لم تستطع أي حكومة لا سيما حكومة الطراونة الكارثية على تعديل قانون ضريبة الدخل. أما عن محاربة الفساد، رأينا جميعا كيف قام مجلس النواب السابق بإغلاق جميع ملفات الفساد في أسبوع واحد. فكانت النتيجة إجهاض عملية الإصلاح التي و عدنا بها جلالة الملك في بداية الربيع العربي.

جاءت حكومة النسور. و من اجل التاريخ والحق يقال، هذا الرجل رجل إصلاحي غير مرتبط بأي قضية فساد لا من قريب و لا من بعيد. رجل من التيار الاصلاحي كان يطالب بكل الإصلاحات المطلوبة في البرلمان، فقد عارض قانون الانتخابات الرجعي، و طالب بتقليص الحكومات و إقرار قانون ضريبة الدخل المعدل و إعادة هيكلة المؤسسات المستقلة. و لكن مع حكومات محاربة للإصلاح، لا حياة لمن تنادي.

على أية حال، جاءت حكومة النسور في وضع اقتصادي و مالي صعب، يحمل تركة إجهاض الإصلاح، يواجه تحديات سياسية و أمنية و اقتصادية داخلية و إقليمية صعبة، فكان لا بد من أخذ الإجراءات الاقتصادية و الإصلاحية الصعبة، إلا انه لا يستطيع ان ينفذ بعضها لغياب مجلس النواب. و هنا لا بد لنا ان نشكر الطراونة على تضييع الفرصة و عدم إقرار القوانين المطلوبة. إضافة الى ذلك، اصبحنا محاصرين اقتصاديا من الدول الخليجية و مصر لاسباب سياسية، فلم تصلنا المساعدات الموعودة المقدرة ب ٨٠٠ مليون دينار حسب موازنة ال ٢٠١٢، و قطعت عنا مصر الغاز و ابقته لاسرائيل، الامر الذي ارهق الموازنة و جعل من الصعب الاستمرار. فكان أبرز ما اتخذه النسور و طاقمه الوزاري من قرارات هي:
.١) رفع الدعم عن المشتقات النفطية الذي كلف الدولة حتى الآن عجزا يقدر ب ٥ مليارات دينار.
٢) دعم مباشر للعائلات التي تستحق الدعم بمبلغ محدد.
٣) تخفيض دعم المؤسسات المستقلة في موازنة ال ٢٠١٣ بنسبة ١٥٪ أي ١٥٠ مليون دينار.
٤) إلغاء بعض الهيئات المستقلة و دمج بعضها عند انعقاد مجلس النواب بعد الانتخابات لان ذلك يحتاج لقانون. و هذه هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها رئيس حكومة بتسمية هذه الهيئات.
٥) إقرار قانون ضريبة دخل تصاعدي عادل و زيادة الضريبة على البنوك و شركات التعدين عند انعقاد مجلس النواب بعد الانتخابات.
إضافة الى ذلك بعض الإجراءات كتقليص عدد اعضاء الحكومة و الإبقاء على التوقيت الصيفي و توفير ٨٠ مليون دينار سنوي، الأمر الذي عارضه البعض من اجل المعارضة.
لا يستطيع النسور و لا أي حكومة أخرى اتخاذ أي إجراءات أخرى في هذه المرحلة.

مع إدراك كل واحد فينا ان الظروف الاقتصادية صعبة، إلا انه علينا ان نتحمل المرحلة المقبلة و عدم السماح لاقتصادنا بالانهيار التام، و لا ان نسمح لأنفسنا ان ندفع فواتير سياسية في المنطقة من اجل رزمة من الدولارات. فالحل بالتأكيد ليس بأعمال الشغب، و بدون شك ليس بإسقاط النظام.

من اجل كل ما ذكرت سابقا، نعم و بكل تأكيد، يستحق النسور و حكومته الدعم في مواجهة إفلاس الدولة، و مواجهة الضغوطات العربية و الإقليمية و الحصار المالي، و بكل تأكيد مواجهة تيار المحافظين
و الحرس القديم و الفاسدين و اللصوص.

وسيم الكوري

Advertisements